سيد محمد طنطاوي

92

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَه هُمُ الْباقِينَ ) * أي : وجعلنا ذريته من بعده هم الذين بقوا وبقي نسلهم من بعدهم ، وذلك لأن اللَّه - تعالى - أهلك جميع الكافرين من قومه ، أما من كان معه من المؤمنين من غير ذريته ، فقد قيل إنهم ماتوا ، ولم يبق سوى أولاده . قال ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَه هُمُ الْباقِينَ ) * : قال ابن عباس : لم تبق إلا ذرية نوح . وقال قتادة : الناس كلهم من ذرية نوح . وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عن سمرة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم في قوله : * ( وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَه هُمُ الْباقِينَ ) * قال : « هم سام ، وحام ، ويافث » . وروى الإمام أحمد - بسنده - عن سمرة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « سام أبو العرب ، وحام أبو الحبش ، ويافث أبو الروم » « 1 » . * ( وتَرَكْنا عَلَيْه فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) * أي : وأبقينا عليه في الأمم التي ستأتي من بعده إلى يوم القيامة ، الذكر الحسن ، والكلمة الطيبة ألا وهي قولهم : سلام على نوح في العالمين ، أي : تحية وأمان وثناء جميل على نوح في العالمين . وقوله : * ( إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّه مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) * تعليل لما منحه - سبحانه - لعبده نوح من نعم وفضل وإجابة دعاء . أي : مثل ذلك الجزاء الكريم الذي جازينا به نوحا - عليه السلام - نجازي كل من كان محسنا في أقواله وأفعاله . وإن عبدنا نوحا قد كان من عبادنا الذين بلغوا درجة الكمال في إيمانهم وإحسانهم . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( وتَرَكْنا عَلَيْه فِي الآخِرِينَ ) * أي من الأمم هذه الكلمة ، وهي : « سلام على نوح » يعنى : يسلمون عليه تسليما ويدعون له . فإن قلت : فما معنى قوله : * ( فِي الْعالَمِينَ ) * . قلت : معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا ، وأن لا يخلو أحد منهم منها ، كأنه قيل : ثبت اللَّه التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين ، يسلمون عليه عن آخرهم . علل - سبحانه - مجازاة نوح بتلك التكرمة السنية ، من تبقية ذكره ، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر ، بأنه كان محسنا ، ثم علل كونه محسنا ، بأنه كان عبدا مؤمنا ، ليريك جلالة

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 19 .